عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
37
معارج التفكر ودقائق التدبر
استفهام لانتزاع إقرارهم بأنّهم قد جاءتهم رسل منهم فبلّغوهم وأنذروهم ، فلم يكن لهم عذر بالجهل ، بل يشهدون على أنفسهم أنّهم كانوا كافرين . قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا : وظاهر أن آباء القوم المعنيين بقول اللّه عزّ وجل : لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ ( 6 ) يدخلون في عموم نداء اللّه يوم الدين بقوله : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ * ويشهدون على أنفسهم ، ولا يخرج عن عموم هذا النداء إلّا أفراد لم تبلغهم دعوة رسول ما ، ولا بلغهم إنذار بعذاب اللّه يوم الدّين ، أمّا الأمم والأقوام بوجه عامّ فما من أمّة إلّا جاءها نذير . ( 3 ) وقول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( القصص / 28 مصحف / 49 نزول ) بشأن مشركي مكّة : فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْ لا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَ وَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ ( 48 ) . إنّ علمهم برسالة موسى وبرسالة عيسى عليهما السّلام من بعده ، وعلمهم برسالة إسماعيل وإبراهيم من قبلهما ، دليل على أنّ آباءهم قد بلغتهم إنذارات الرّسل . وقد دمغهم اللّه عزّ وجلّ بأنّهم كفروا بما أوتي موسى من قبل ، وكان يجب عليهم أن يؤمنوا به وبما أنزل اللّه عليه . ( 4 ) وقول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( المؤمنون / 23 مصحف / 74 نزول ) عن عتاة مشركي مكّة المعاندين المترفين : أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ( 68 ) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ( 69 ) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ ( 70 ) .